اقتصاد عربي ودولي

في معرض صنعاء الدولي: القهوة اليمنية تروي حكاية الأرض وأصالة الهوية

في معرض صنعاء الدولي: القهوة اليمنية تروي حكاية الأرض وأصالة الهوية

الخبر الاقتصادي ـ خاص

في زوايا التاريخ العريق لصنعاء الحضارة، حيث يمتزج عبق الماضي بنبض الحاضر، تتراقص في الأجواء رائحة القهوة اليمنية كأنها أنشودةٌ قديمة تحكي قصة وطن.
ليست مجرد رائحة، بل هي روحٌ تتنقل بين الأزقة والأسواق، تحمل في طياتها أسراراً تعود إلى قرونٍ مضت، حين كانت اليمن مهداً لأول حبة بنٍ عرفها العالم.
القهوة ليست مجرد مشروب، بل إرثٌ يمتد عبر الأزمنة، شاهداً على براعة المزارعين وإبداع الحرفيين.
اختتمت أمس الخميس فعاليات معرض صنعاء الدولي للقهوة، مجسدةً هذه الرحلة الفريدة، حيث التقى الخبراء والمزارعون والمهتمون في احتفاءٍ لا يقتصر على النكهات الفريدة، بل يغوص في أعماق الحكايات التي تختزلها كل رشفة، من سفوح الجبال الشاهقة إلى فناجين القهوة التي تحفظ عبق التاريخ وأصالة الهوية.
على مدى خمسة أيام، تحدثت القهوة بلسان اليمن، فاضت نكهةً ودفئاً، واستعادت مجد البن الذي جاب المحيطات ودوَّن اسمه في سجلات التاريخ.
لم يكن القادمون إلى المعرض يأتون طلباً لمشروب، بل كانوا يبحثون عن ذلك السحر الخام الذي جاد به تراب اليمن، عن الحبة التي تشبعت بنور الشمس وهواء المرتفعات، فاختزلت في مذاقها جلال الطبيعة وصبر المزارع ونبض الأرض.
في المعرض، لم تكن القهوة تُحتسى فحسب، بل رُويت وعُيشت واستُنشق عبقها كما لو كانت نغمةً من زمنٍ بعيد. أصداء الحكايات تراقصت مع أريجها، وجمهور المعرض لم يملّ من الغوص في طقوسها، في سحرها الذي لا يشيخ، في رائحتها التي تهمس: هنا بدأ كل شيء، وهنا لا تزال القهوة تفوح بعطر التاريخ.
كما لم يكن المعرض مجرد حدثٍ لعرض المنتجات، بل كان محفلاً ثقافياً واقتصادياً يهدف إلى تعزيز الوعي بأساليب الزراعة المستدامة، وتطوير تقنيات التحميص، وفتح آفاق جديدة لتسويق البن اليمني عالمياً.

تعزيز التسويق
بتنظيم من وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، وبجهود المؤسسة العامة لتنمية وتسويق البن، استطاع المعرض أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ليؤكد أن القهوة اليمنية ليست مجرد مشروب، بل هي إرثٌ يُحكى، وحضارةٌ تُروى، وروحٌ تتنفس عبق التاريخ.
يؤكد القائمون على المعرض أن تنظيم المعارض الخاصة بالبن، وإعلان الثالث من مارس من كل عام يوماً وطنياً، وإنشاء المؤسسة العامة لتنمية وتسويق البن، وإصدار قرار منع استيراد البن الخارجي، تأتي في سياق الدعم والاهتمام بهذا المحصول النقدي المهم.
وأكدوا أن الهدف الرئيسي من المعرض هو دعم المزارعين من خلال تعزيز التسويق المحلي والعالمي، حيث يُعتبر غياب التسويق العائق الأكبر أمام تحقيق المزارعين أرباحاً عادلة، مشيرين إلى أهمية دعم المزارعين وتزويدهم بالمعرفة والتقنيات الحديثة لضمان تحسين جودة البن المنتج.

دخل وطني
تؤكد العديد من الدراسات أن البن اليمني يمكن أن يكون مصدراً رئيسياً للدخل الوطني إذا تم استغلال إمكاناته الكاملة من خلال استراتيجيات مدروسة تعتمد على تطوير سلسلة القيمة، بدءاً من الزراعة وصولاً إلى التسويق العالمي.
وأشارت الدراسات إلى أهمية تعزيز زراعة البن عبر توفير الدعم الفني والمالي للمزارعين، وتزويدهم بالتقنيات الحديثة لتحسين جودة الإنتاج وزيادة الكميات، إلى جانب ضرورة إنشاء مراكز متخصصة لمعالجة وتعبئة البن وفقاً للمعايير الدولية، مما يضيف قيمة مضافة للمنتج ويرفع من قدرته التنافسية في الأسواق العالمية.
وأكدت على أهمية تعزيز التسويق الدولي من خلال المشاركة في المعارض العالمية وإنشاء علامات تجارية قوية تعكس أصالة وجودة البن اليمني.
وبحسب تلك الدراسات، يمكن للاستثمار في البنية التحتية اللوجستية أن يسهل عمليات التصدير ويقلل التكاليف، مما يجعل البن اليمني خياراً جذاباً للمستوردين. بهذه الخطوات، يمكن تحويل البن إلى محرك اقتصادي يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل للشباب، مع الحفاظ على الإرث الثقافي الذي يمثله.
في هذا السياق، يؤكد رئيس قطاع المشاريع بالهيئة العامة للاستثمار، المهندس محمد الفرزعي، لـ “الخبر الاقتصادي” أن محصول البن من المحاصيل النقدية التي يمتاز بها اليمن وينبغي التركيز عليها من مختلف الجهات المعنية ذات العلاقة بتطوير هذا المحصول النقدي، ليس فقط كمنتج نهائي بل في سلاسل قيمة هذا المحصول ككل، لأن سلاسل القيمة مختلفة، منها التسويق، التعبئة، الإنتاج، التغليف، البذور، وتكاليف الإنتاج، من جميع الجوانب.
وقال: “أتمنى على كل الجهات المختلفة أن تساعد على تخفيف تكلفة الإنتاج والتوسع الأفقي في زراعة البن حتى يصبح محصولاً ننافس به على مستوى المنطقة والعالم، ويصبح مصدراً من مصادر الدخل الوطني”.

هوية شعب
تحدث لـ “الخبر الاقتصادي” رئيس اتحاد جمعيات منتجي البن، محمد حسن، حول أهمية المعرض ودلالته، مشيراً إلى أن معرض صنعاء الدولي للقهوة مثل رمزية تاريخية ترتبط بهوية الشعب اليمني منذ أكثر من ألف عام.
وقال: “احتفى هذا المعرض بتاريخ هذا الشعب العريق وتاريخ البن اليمني، ويُعتبر الشعب اليمني المواطن الأصلي للبلاد، واليمنيون هم أول من حول محصول البن إلى مشروب، وأول من حول محصول البن إلى سلعة تجارية، وأول من صدر البن إلى العالم”.
وأضاف: “اليمن هو المصدر الرئيسي للقهوة في العالم، وقد مثل المعرض حدثًا احتفاليًا يتعلق بهوية هذا الشعب، وهي فرصة للشعب اليمني لتعزيز هويته وارتباطه بهذا المحصول الذي ارتبط بهويته منذ أكثر من ألف عام”.
وتابع قائلاً: “هذا المعرض احتفل بجهود المزارعين، وكرم جهودهم، إذ يأتي هذا المعرض كمخرج نهائي لجهود المزارعين التي يبذلونها، فالجودة تأتي من المزرعة، والتاريخ يأتي من المزرعة، والهوية تأتي من المزرعة، فإذا لم نعطِ المزرعة الأهمية الكبرى، لن نستطيع أن ننمي الإنتاج أو أن ننمي الاقتصاد الوطني بشكل عام. فنحن اليوم نحتفل بمخرجات المزرعة وجهود المزارعين، ونكرس ونعزز الشهرة التاريخية للبن اليمني محلياً وخارجياً”.

فيما تحدث رئيس قطاع المقاولين والموردين بالغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة، الأستاذ عبدالله البروي، لـ “الخبر الاقتصادي” عن أهمية إقامة مثل هذه المعارض لدعم وتطوير زراعة البن اليمني، ورفع مستوى الإنتاجية، وتعزيز آليات التسويق والترويج له محلياً وخارجياً.
وأكد أهمية الابتكار في زراعة وإنتاج القهوة، قائلاً: “للحفاظ على استدامة زراعة البن في اليمن، نحتاج إلى تحديث طرق الزراعة، وتحسين أساليب الري، والتوسع في استخدام تقنيات المعالجة المتطورة”.
وأشار إلى أن اليمن يمتلك أصنافًا نادرة من البن تُعد من بين الأجود عالميًا، لكن تطوير هذه الزراعة يتطلب دعمًا حكوميًا واستثمارات جادة لتحسين جودة المحصول وزيادة الإنتاج. كما شدد على ضرورة تعزيز التعاون بين المزارعين ورواد الأعمال والشركات التصديرية لضمان وصول البن اليمني إلى الأسواق العالمية بأفضل صورة ممكنة.

بدوره، أشاد الإعلامي أحمد الجعماني بمستوى الإقبال الكبير على المعرض، الذي يعكس مكانة اليمن كموطن أول للبن، حيث كانت موكا اسماً تتناقله الألسن في كل ركن من أركان العالم، شاهدة على مجد هذا المنتج الذي ظل رمزاً للأصالة والتفرد.
وعبر عن إعجابه الكبير بتنوع المنتجات وأساليب التقديم المختلفة، معتبراً أن مثل هذه الفعاليات لا تعزز فقط الوعي بأهمية القهوة اليمنية، بل تخلق بيئة ثقافية ممتعة تجمع بين محبي القهوة والخبراء في هذا المجال.
وأشار إلى أن استمرار إقامة هذه الفعاليات سيساهم في الترويج للبن اليمني بشكل أكبر، خاصة بين فئات الشباب الذين بدأوا يهتمون بالقهوة المختصة.
وبحسب الجعماني، فإن البن اليمني يواجه منافسة شديدة في الأسواق العالمية، لكنه يتميز بجودته الفريدة ونكهته الغنية، ما يجعله مطلوباً لدى محبي القهوة المتخصصة. وحث على إقامة مثل هذه الفعاليات لتعزيز وعي المستهلكين المحليين والدوليين بأهمية دعم المنتج اليمني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وفيما قدم اقتراحاً بأهمية استبدال تسمية المعرض من القهوة إلى البن، فقد أكد أن الطلب على القهوة اليمنية في ازدياد، لكن لا تزال هناك حاجة لتعزيز سلاسل الإمداد وتحسين طرق المعالجة والتسويق، موضحاً أن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في هذا المجال سيساهم بشكل كبير في تطوير الصناعة وزيادة فرص العمل للشباب اليمني.
موروث حضاري
التاجر الشاب سامي طاهر، صاحب شركة الطاهر لتصدير المنتجات اليمنية، أشار إلى أن معرض صنعاء الدولي للقهوة ليس مجرد فعالية تجارية، بل منصة فريدة لنقل التراث اليمني إلى الداخل والخارج، وتعريف العالم بجودة البن اليمني التي لطالما ميزته عبر العصور.
وتحدث لـ”الخبر الاقتصادي” قائلاً: “من أعماق التاريخ، حيث تلتقي الحضارة بالتراث، أطلت صنعاء على مدى خمسة أيام من شرفة الزمن، حاملةً في طياتها عبق القهوة اليمنية التي تُعدُّ رمزاً للهوية والانتماء. إنها رائحة لا تُشبه سواها، تنساب في الأجواء كأنها قصيدة تُحاكي أمجاداً عتيقة، وتُذكّر بعراقة أرضٍ شهدت ميلاد فنون الزراعة والتحميص، وأبدعت في تحويل حبات البن إلى فنون تذوقية تخطف الألباب”.
وأكد أن البن اليمني ليس مجرد محصول زراعي، بل موروث حضاري يعكس أصالة اليمن وثقافته المتجذرة منذ قرون. وبيّن أن البن اليمني كان لقرون طويلة واجهة اقتصادية رئيسية للبلاد، حيث كان يُصدر إلى مختلف أنحاء العالم، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد التجاري والاقتصادي للبلاد. ومع ذلك، يواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالتسويق والجودة والتصدير، مما يحتم وضع استراتيجيات حديثة للترويج لهذا المنتج الفاخر.
وأشاد طاهر بجهود وزارة الزراعة والجهات الحكومية في تنظيم المعارض ودعم قطاع القهوة، مشدداً على ضرورة مواصلة الجهود التسويقية وتوسيع نطاق الترويج للمنتج اليمني عالمياً.
وقال: “هناك تسهيلات حكومية واضحة، مثل منع استيراد البن الخارجي، وهو ما يشكل فرصة ذهبية لتعزيز الإنتاج المحلي. لكن على الشركات أن تستغل هذه الفرصة عبر تحسين جودة الإنتاج، وتعزيز القيمة المضافة للمنتج، وبناء علامات تجارية قوية تعكس تميز البن اليمني في الأسواق العالمية”.

دعم المزارعين
من بين المشاركين في المعرض، تحدث جميل المسوري، صاحب مشروع “خذ لك بلدي”، عن تجربته في تأسيس مشروع لدعم أولاده من ذوي الإعاقة العقلية عبر تسويق المنتجات المحلية، ومنها البن. موضحاً أن مشروعه، الذي بدأ من المنزل، أصبح الآن يضم أكثر من 31 نقطة توزيع، ما يعكس الإقبال على المنتجات المحلية ذات الجودة العالية.
فيما أشارت فاطمة الشميري من مشروع “كنزي” إلى أهمية إقامة مثل هذه المعارض، لتعريف المجتمع في الداخل بمعلومات هامة عن البن اليمني، وكذلك التسويق لهذا المنتج اليمني الأصيل خارجياً. وأشادت بمستوى تنظيم المعرض، ومستوى الإقبال عليه من قبل الشركات من جهة، وكذلك من قبل زوار المعرض.
وتطرقت إلى أهمية توفير المنتج بأسعار معقولة، بحيث تكون في متناول الجميع، على اعتبار أن الارتفاع في الأسعار يشكل عاملاً طارداً للإقبال على شراء البن اليمني، واللجوء إلى البن المستورد.

تاريخ وحضارة
في أروقة المعرض، دارت الكثير من السجالات حول تاريخ البن، وما إن كان اليمن موطنه الأصلي الأول، أم تم استقدامه من الحبشة كما تشير إليه بعض الروايات.
ولطالما أحاطت الأساطير والروايات العجيبة بتاريخ شجرة البن واكتشاف خصائص ثمرها، حيث تناقلها الناس عبر الأجيال وكأنها حقائق مسلَّم بها، رغم غياب السند التاريخي الذي يؤكدها. إلا أن الدراسات التاريخية أظهرت أن اليمنيين كانوا أول من استزرع شجرة البن وحوّلها إلى محصول تجاري. كما أن المزارعين اليمنيين طوّروا عدة أصناف من البن تتناسب مع البيئات الزراعية المختلفة في البلاد، مما أكسب البن اليمني جودة ونكهة مميزة جعلته مطلوبًا في الأسواق العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، ارتبطت القهوة بالثقافة اليمنية بشكل وثيق، حيث أصبحت جزءًا من التقاليد والعادات الاجتماعية. وكانت تُستخدم في المناسبات والاحتفالات، مما عزز من مكانة اليمن كموطن أصيل للقهوة.
من الأساطير الشائعة، ما تطرق إليه الدكتور عبدالودود قاسم مقشر حول الاتجاهات العامة لنشأة القهوة ـ الاتجاه الميثولوجي (الأسطوري) ـ والذي أشار إلى أن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن القهوة موجودة منذ القدم من غير أدلة تاريخية صريحة أو شواهد تؤكد ما بنت عليه اتجاهها، وتتعدد رؤاه في ذلك.
ولفت إلى أن من يؤمن بهذا الرأي يعتقدون بأن البن شجرة في الجنة غرسها سبعون ألف ملك تسمى شجرة السلوان، فلما أهبط الله آدم، هبط بها معه من الجنة للسلوان عما كان عليه من النعيم المقيم ورماها في هذه الأرض، وهي أرض زيلع والحبشة.
وأورد رأياً آخر أشارت إليه بعض المراجع، حول من يعتقدون أن داوود النبي عليه السلام هو أول من وقف على خواصها، فيما ربط البعض ظهورها بنبي الله سليمان بن داوود عليهما السلام.
يقول الدكتور مقشر: “تبنى هذا الرأي الكثير ممن أرخ لظهور البن والقهوة وحاولوا إيجاد بعد تاريخي لتواجدها منذ القدم. فيقول المؤرخ عبدالحي بن أحمد بن محمد العكري الشهير بابن العماد الحنبلي (1032-1089هـ/1623-1678م) في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب): ‘إن ابتداء ظهورها كان في زمن سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام… فكان سليمان صلى الله عليه وسلم إذا أراد سيراً إلى مكان ركب البساط هو ومن أحب من جماعته وظلتهم الطير وحملتهم الريح، فإذا نزل مدينة خرج إليه أهلها طاعةً له وتبركاً به، فنزل يوماً مدينةً فلم يخرج إليه أحد من أهلها، فأرسل وزيره على الجن الدمرياط، فرأى أهل المدينة يبكون'”.
فيما قدم المؤرخ اليمني يحيى بن الحسين بن القاسم رواية أخرى فيقول عن نشأة شجرة البن باليمن، مؤيداً رأي من قال إنها من زمن نبي الله سليمان: “إن سليمان عليه السلام لما نزل بوادي سبأ باليمن، جاء أهل اليمن يشكون إليه. ويقولون: يا نبي الله، يا سليمان، إن أولادنا خطفتهم الجان من المضاجع، ولم نعلم ما السبب في ذلك؟ فقال سليمان لوزيره آصف بن برخيا: صف كيف الخبر فيما سمعت من هؤلاء المساكين. قال آصف: قل لهم يأخذون غصون البن ويعقدون بها على أطفالهم، فإنها حرز من الشياطين، ففعلوا فحفظهم الله تعالى من ذلك”.
وأضاف مقشر في ذات الاتجاه بأن هناك من يرى أن القهوة تعود إلى زمن لقمان الحكيم، وآخرون يرون أنها تعود إلى زمن الإسكندر المقدوني (٣٢٣-٣٥٦ ق.م).
فيما تشير بعض المراجع التاريخية إلى أن أول ذكر لمحصول القهوة يعود للطبيب العربي ابن الرازي في عام 900 ميلادي. ومع اختلاف هذه الروايات التاريخية، فقد أثبت الباحث الدكتور عبدالودود مقشر، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد بكلية الآداب – جامعة الحديدة، في دراسته “نشأة القهوة العربية وانتشار زراعة البن في اليمن ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر الميلادي”، أن مكتشفها هو الشيخ علي بن عمر القرشي الشاذلي من اليمن خلال القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي.
ثم بيّن الباحث كيفية انتشار زراعة البن في اليمن وانتشار القهوة في الحجاز وبلاد الشام والعراق ومصر والمغرب العربي وإسطنبول ودول البلقان والبوسنة والهرسك، ومن ثم انتقالها إلى أوروبا وأمريكا. مؤكدًا في ذات السياق أن “ظهور اسم القهوة في العالم ارتبط باليمن في العصر الحديث وأصبح مصطلحًا مرادفًا له. فالقهوة اكتشاف يمني عربي خالص، رفدت به الحضارة العربية البشرية، فأصبحت مشروبها المفضل خلال التاريخ الحديث والمعاصر، ونتج عن ذلك ازدهار اقتصادي لليمن”.
وهو أيضًا ما أكدته دراسة أكاديمية يمنية عن البن للباحثة أروى أحمد عبدالله الخطابي بعنوان “تجارة البن اليمني (ق11هـ – 13هـ/ 17م – 19م)”، التي أثبتت فيها أن موطن البن الأصلي هو اليمن.
وفيما تشير المراجع التاريخية إلى أن الصوفي علي بن عمر الشاذلي أدخل القهوة إلى اليمن من الحبشة، وتبعه جمال الذبحاني الذي زرعها لأول مرة في وادي الدور بمحافظة إب، فإن الباحث والمؤرخ محمد العمري كشف لـ”الخبر الاقتصادي” عن ظهور وثيقة يمنية جديدة تم الحصول عليها هذا العام، يبلغ عمرها 800 عام، وهي تحكي عن البن والقهوة اليمنية بالتفصيل. وأصل الوثيقة موجود في الأرشيف البريطاني، حيث أخذوها في عام 1839، ليفقدوا بعدها أهمية ميناء المخا. وظهور مثل هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق يعد مدعاة لإعادة قراءة التاريخ بشكل منهجي مهني لتوثيق موطن ظهور شجرة البن بشكل دقيق. ولا يزال التاريخ بحاجة إلى دراسات أكثر عمقًا ومهنية وحيادية، رغم الجهود التي بذلت في هذا الجانب حتى اليوم.

تجارة البن
وحول انتقال شجرة البن من اليمن، تشير بعض المراجع التاريخية إلى أنه في عام 1490م وصلت إلى مكة عبر الحجاج، ثم وصلت إلى الأزهر بمصر (1500م). كما تبين بعض المراجع أن أوزدمير باشا -والي السلطات العثمانية في اليمن- نقل القهوة إلى إسطنبول عام 1517م في عهد السلطان سليم الأول (1501 – 1520م)، لتصل بعد ذلك إلى أوروبا على أيدي الأتراك. ولكن مراجع أخرى تعيد وصول القهوة اليمنية إلى أوروبا عن طريق البرتغاليين الذين غزوا السواحل الغربية لليمن عام 1507م، حيث استضافهم شيخ مدينة المخا (470 جنوب غرب صنعاء) بشراب القهوة التي أراحت أذهانهم، فكانوا أول من نقلها إلى أوروبا عبر ميناء المخا، الواقع على مسافة 40.5 ميل بحري شمالًا من باب المندب.
بحلول القرن السابع عشر، سيطرت الشركات الهولندية والفرنسية والبريطانية على تجارة البن، فأسس الهولنديون أول معمل للبن في المخا عام 1708م، تبعهم الفرنسيون عام 1720م. واستمر مركز تصدير القهوة عالميًا حتى أواخر القرن التاسع عشر، بينما بدأت زراعتها مع ظهور منتجات جديدة عالميًا. ومع ذلك، لا تزال القهوة رمزًا ثقافيًا للكرم والتسامح في المجتمعات العربية.

جهود التوعية
على الرغم من التحديات التي واجهتها زراعة البن في اليمن عبر التاريخ، إلا أن البن اليمني لا يزال يُعتبر من أفضل وأجود أنواع البن في العالم بفضل نكهته الفريدة وجودته العالية.
ويؤكد خبراء وباحثون في مجال البن الحاجة إلى تكثيف الجهود في توعية المزارعين وتدريبهم على الطرق السليمة لزراعة البن والمعاملات السليمة لرفع جودته، والتركيز على معاملات الحصاد وما بعده، إلى جانب التركيز على نشر الوعي المجتمعي بالتوسع في زراعة هذا المحصول النقدي المهم.
ويبقى البن اليمني رمزًا للأصالة والهوية الوطنية، يحمل عبق الماضي ويروي حكايات الأجداد. وبين التحديات والفرص، يواصل اليمنيون جهودهم للحفاظ على هذا الإرث الغني، ودعم المزارعين، وتسويق المنتج عالميًا، ليظل اسم “موكا” يتردد في أروقة الزمن، شاهدًا على مجدٍ لا يندثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى